الشيخ محمد هادي معرفة
391
تلخيص التمهيد
المتأخِّرة نزولًا ناسخة للُاولى . ويجب أن يكون التنافي بين الآيتين كلّياً - على وجه التباين الكلّي - لا جزئيّاً وفي بعض الوجوه ، لأنَّ الأخير أشبه بالتخصيص منه إلى النسخ المصطلح ، وقد تسامح بعض الباحثين ، فأخذ من ظاهر التنافي - ولو جزئيّاً - دليلًا على النسخ ، فقال بنسخ العامّ بالخاصّ ونسخ الإطلاق بالتقييد ولكن عمدة عذره هبوط مستواه العلمي في مبادئ علم الأصول . ملحوظة : يشترط في هذا القسم الثالث ، وجود نصّ صحيح وأثر قطعيّ صريح يدعمه إجماع القدامى ، إذ من الصعب جدّاً الوقوف على تاريخ نزول آية في تقدّمها وتأخّرها ، ولا عبرة بثبت آية قبل أخرى في المصحف ، إذ كثير من آيات ناسخة هي متقدّمة في ثبتها على المنسوخة ، كما في آية العدد « 1 » وهي ناسخة لآية الإمتاع إلى الحول « 2 » وهذا إجماع . كما أنَّ التنافي - على الوجه الكلّي - لا يمكن القطع به بين آيتين قرآنيَّتين سوى عن نصّ معصوم ، لأنَّ للقرآن ظاهراً وباطناً ومحكماً ومتشابهاً ، وليس من السهل الوقوف على كنه آية مهما كانت محكمة . هذا ، وقد أخذ سيّدنا الأستاذ قدس سره من هذا الأخير مستمسكاً لنكران هذا النحو الثالث من النسخ ، قال : والتحقيق أنَّ هذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن ، كيف وقد قال اللَّه عزّ وجلّ : « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » « 3 » . لكن سنبيّن : أن لا تنافي بين الناسخ والمنسوخ في متن الواقع ، وإنَّما هو تنافٍ ظاهري ، إذ الحكم المنسوخ هو في الحقيقة حكم محدود في علم اللَّه من أوّل تشريعه ، غير أنَّ ظاهره الدوام . ومن ثمَّ كان التنافي بينه وبين الناسخ المتأخّر شكلياً محضاً . وسيبدو ذلك بتوضيح أكثر عند الجواب عن الشبهة الثالثة الآتية .
--> ( 1 ) البقرة : 234 . ( 2 ) البقرة : 240 . ( 3 ) راجع البيان : ص 306 الطبعة الثانية ، والآية 82 من سورة النساء .